إخوان الصفاء
209
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
الصفات ، متباينون في الدرجات ، ولكل منهم جزء مقسوم وحدّ معلوم ، ثم يكون كذلك حتى يكون العقل نهايتهم فيها ، والسابق لهم إليها ، والمانّ عليهم بها . ثم هو من الخضوع والخشوع والاعتراف بالعجز والتقصير عن الإحاطة بباريه ، وبلوغ كنه ما عنده ، والمعرفة ببدايته ونهايته ، على غاية لا يبلغها إلّا هو ، ولا ينفرد بها سواه ، ولا يشركه فيها غيره ، ولذلك صار هو المعطي للنفس الخضوع والخشوع والحيرة في أمر المبدع سبحانه ، ولم يفض عليها من ذلك إلّا بما فتح عليه ، وألقى إليها بحسب ما ألقي إليه ، وهو الإبداع أول المفاض عليه صورة التمام والكمال . فإذا أفعال الروحانيين من عالم العقل والنفس إنما يعطونها بما أمر اللّه تعالى ، وهم بالقرب منه بحيث لا يصل إليهم من دونهم . ولذلك صارت الملائكة الذين لهم من القرب منهم ما ليس لغيرهم حتى يتصل ذلك بآخرهم ، وهم الملائكة الساكنون في فلك القمر ، ولهم من الأفعال والأعمال ما يليق بهم مما ألقي إليهم ويفاض عليهم من المواد النفسانية والقياسات العقلية بالودائع التي فيهم من المشيئة الإلهية ، ما يكون لهم به مواد النفس الجزئية ، والجواهر الجسمانية ، والقوى الطبيعية ، والأشخاص الأرضية ، ليكون للحركة الأولى سابقة للمتحركة بها إلى تمام المشيئة وبلوغ القضيّة الحتميّة الموجبة الحركة الأولى ، وهذه الحركة حول قطب الدائرة الناريّة لوصول الموجودات ، فهي أبدا ينحط منها ما ينبثّ في حيز الوجود متحرّكا ليكون شيئا معلوما ، ويقول بالتحميد والتمجيد والتسبيح والتقديس والتنزيه : إن الباري ، جلّ اسمه ، لا موصوف بصفات الروحانيين من حيث هم محدثون فاعلون ومنفعلون ، ولا بصفة الجسمانيين المدركين بالحواس ، وإنما صفته من حيث أفهامنا أنه قديم أزلي ، معلّل العلل ، فاعل غير منفعل ، موجد مبدع مجوهر يبدي ما يشاء ويفعل ما يريد ، كل يوم في شأن لا يشغله شأن عن شأن ، وليس هذا اليوم من أيام العالم وإنما هو يوم من أيام الدائرة الإلهية المرتّبة في أفقها : الدائرة العقلية ، منشئ النشأة الأولى ، مبدع النشأة الآخرة ،